لحظة من فضلك

زجل لمسيح

شهادات



عبد الرحيم العلام

أحمد لمسيح حوارية مبدعة

باسم إخوتي في المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب أود أن أحيي بحرارة منظمي هذه الدورة الجديدة والاستثنائية للمهرجان الوطني للزجل بابن سليمان• أقول "استثنائية" لسببين اثنين على الأقل: أولا: كونها دورة تحتفي بأحد رموز التجربة الزجلية الحديثة في بلادنا وأحد روادها الأوائل؛ يتعلق الأمر بالشاعر والزجال المغربي المتألق أحمد لمسيح، في أول ظهور ثقافي وأدبي له، بعد خروجه سالما معافى من وعكة صحية ألمت به؛ ليعود إلى أسرته وجمهوره وعشاقه، وإلى عوالمه الشعرية والزجلية الفاتنة•••"فالصربة ما توقفها عجاجة"، على حد تعبير شاعرنا أحمد صبري• ثانيا: كونها دورة تحمل اسم مبدعة مغربية رحلت فجأة عن عالمنا• استضافها بحر آخر، ليس هو نفس البحر الذي كثيرا ما تغنى وتغزل به أحمد لمسيح في جل دواوينه الفصيحة والزجلية؛ وعشقه، فجعله قرينا للحياة؛ بل يتعلق الأمر ببحر آخر أكثر غدرا، تأججت في أغواره شهوة الموت ليضم إليه "طبيق الورد"، "شبشوبة"• بحر لم يعترف بجميل أحمد المسيح عليه، ولم يأبه لطموح مبدعتنا الراحلة، ولا لأحاسيسها وحبها للحياة والوطن• قسا عليها أهل البر فاستضافها البحر ثم لفظها بدوره، فـ"من لا بر له لا بحر له" يقول محمود درويش؛ بحر لم يمهل فاطمة الحياة لتكمل حكاية عشقها الأدبي والفني والأكاديمي• وهاهي مدينة ابن سليمان اليوم تستعيد روحها الطيبة لتحوم من جديد في هذا الفضاء التعبيري البهي الذي طالما عشقته فاطمة وأبدعت فيه، بل وكانت أول شاعرة مغربية تنشر في الزجل ديوانها "طبيق الورد"• لقد كان الزجل دائم الحضور في الأفق الثقافي والإبداعي لاتحاد كتاب المغرب، وفي أنشطته ومنشوراته؛ نتذكر جميعا تنظيم الاتحاد للمهرجان الوطني للزجل بمكناس في ثمانينيات القرن الماضي، شاركت فيه الراحلة فاطمة شبشوب بجرأة إبداعية لافتة• كما يعتبر شاعرنا أحمد لمسيح أول من ولج بزجله بوابة "آفاق" في الثمانينيات؛ المجلة التي استضافت الإبداع الزجلي المغربي في عدد خاص، ومنذ ذلك الحين والقصيدة الزجلية ترصع بوابة الإبداع فيها• ومؤخرا فقط، احتفى فرع اتحاد كتاب المغرب بالرباط بأول أنطولوجيا للزجل المغربي، الصادرة في جزئها الأول بعنوان "مجمع الكلام"، بإعداد وإشراف الزجالة المغربية المتألقة نهاد بنعكيدا• ومن شأن الإكثار من مثل هذه المهرجانات، وغيرها، أن ترد الاعتبار لهذا الجنس التعبيري المتجدر في ثقافتنا العربية، والذي كثيرا ما اشتكى من الضيم والإقصاء، ومن خلالها يتم رد الاعتبار أيضا للغتنا العامية في أبهى تعابيرها وصورها وتجلياتها الجمالية• وها هو المهرجان الوطني للزجل بابن سليمان يكبر اليوم أمامنا، فتكبر معه الأحلام، وتتراكم الأسماء، وتتناسل النصوص، وتتوالى الملتقيات، من "ابن سليمان" هنا إلى "بني عمار" هناك••• في هذا الأفق الشعري المضيء، إذن، نحتفي اليوم بأحد أقطاب الزجل المغربي الحديث في هذه المدينة الزاخرة بالأشكال التعبيرية والتراثية والفنية غير الغريبة عن الزجل وطقوسه• نحتفي بأحمد لمسيح؛ هذا الفتى القادم إلينا من سلالة شريفة ومتصوفة، ومن بادية ملآنة بليلها الفاتن، وببساتينها التي "توقف شعر الرأس" و"تتفتق حولها المخيلة بالفانطاستيك (وحق الله ابادريس)، يقول السارد في سيرة شاعرنا الذاتية (في البحر ذاكرتي، ص 20)؛ كما نحتفي أيضا بأحمد الطفل الطالع إلينا من طفولة تمجد الحياة هربا من سؤال العمر، وتوثر المشاهدة والمشاركة في طقوس خبزة المحراث والاحتفال بجز أصواف الغنم ومواسم الحصاد والدرس، والأعراس، وتغنجة، والسبع بولبطاين، وخيمة الشيخات وعبيدات الرمى، ومواكب احمادشة وعيساوة ودور الطلبة واحتفالات عاشوراء والحلايقية والسويرتي ومسيح الحلقة والمجذوب والصحراوي الذي كان يبيع قاقة وبيض النعام"••• (في البحر ذاكرتي، ص29-30)• برز أحمد لمسيح منذ سبعينيات القرن الماضي مبدعا حتى في ارتجالاته وحكيه وتعليقاته الشفوية، التلقائية والعفوية• مر بتجارب غنية وحيوية، ساهم بها في تحريك المشهد الجمعوي والثقافي والإبداعي بالمغرب: أعن أخاك- اتحاد كتاب المغرب- الشبيبة الاتحادية- الحزب- المؤتمرات- اللجنة الدائمة للثقافة العربية، بيت الشعر- وزارة الثقافة، وغيرها••• وقبل ذلك بكثير، تحكي سيرته الذاتية عن نضاله على الطريقة الأولى، وعن وعيه السياسي المبكر أيام "المقاطعة بوضوح للدستور الممنوح"، ووضعه الشارة الحجرية، بزهو وخيلاء، لأول مرة على ذراعه، عدا نشاطه المسرحي بفرق الأحياء وبالمسرح البلدي بالجديدة، وعزفه على "لوتار"، وعشقه المبكر للسينما، وللممثلين العالميين، من ستيف ريف إلى قاري كوبر (في البحر ذاكرتي، ص46)• ألا تشبه صوره المتداولة عموما صور قاري كوبر أو جيمس دين، بما فيها صورة ملصق هذه الدورة؟•• ساهم أحمد لمسيح بكتاباته الزجلية، المثيرة والممتعة، في الدفاع عن التجربة الزجلية وترسيخها في ثقافتنا الأدبية المغربية، مستندا في ذلك إلى ينابيع الذات والمعيش، وإلى مخزونه الثقافي وذاكرته وذهنه المتوقد، فنجح في تحديد علاقة جديدة بين العامية والفصحى في إطار جمالية حوارية مبدعة• وهو إلى جانب ذلك، شاعر أنيق وممتع، سريع الخاطر، وحاضر النكتة: "تقولوا الشمس ضاوية والسر عليه" (في البحر ذاكرتي)• يعمل دائما في الظل ويميل إلى الخفاء أكثر من التجلي• كائن ليلي بالمفهوم السامي للكلمة، مسيح واحكيم ومجذوب وبوهالي• طالب حركي بفاس، وشاعر محرض، وشخصية محورية بالرباط• كان بيته دائما، حسب أصدقائه، خلية سياسية• جعل شعره لمدة في خدمة السياسي والوطني ومساندة قضايا النضال ومقاومة كل أشكال الضياع والغربة والإخفاق، قبل أن ينتقل إلى معانقة الإنساني والجوهري فينا وفي ذواتنا المكلومة• شغوف بالبحر إلى حد الجنون• وقد جعلت منه هذه السجايا النادرة، وغيرها كثير، مبدعا استثنائيا؛ فأزجاله تنبض بالحياة والمعاني والألوان، وهو خير من عبر عن الروح وظلها، وعن الروح المغربية تحديدا، بكل ما تحمل هذه الكلمة من معنى ورائحة••• كما تحفل أزجاله بالقيم العليا وبمعاني النضال والجمال والكرامة والحب والعشق والنوستالجيا والوفاء للذات والجماعة• فأحمد لمسيح يعرفه الجميع بكونه إنسانا "سوسيابل"• يتقاسم لذة الحياة مع الآخرين، حتى في أزجاله: ابادريس- زفزاف- السنوسي- لهبولي- الشحرور- حمودة- الصبان- - المجاطي- خير الدين- راجع- بركات- مينة- غسان- ريم- وفاء- الفتنة- المؤسس- عقار••• يكتب سيرة هؤلاء، وغيرهم، في "توحشت راسي"، كما يكتب، في أشعاره وأزجاله، سيرة القلم والحرف والمداد والكلام والقصيدة والكتابة والبحر والماء والمرأة والنور والظلام والرحيل والمدينة والرائحة والموت والليل والريح والعشق والوطن والحرية والطفولة والحلم••• فكما يحتفي زجله بالماء، في معانيه واستعاراته وتجلياته المختلفة، يحتفي أيضا بماء الشعر و"لقصيدة" و"اطريز لكلام"، فتجده ينتصر لـ"لقصيدة"، كينونته الحقيقية وبيته الأبدي الذي يقيم فيه: "القصيدة طرف منك وأنت طرف فيها"(شكون اطرز الما؟، ص45) و"قالوا لي جاك الشعر في حقك" (ظل الروح، ص36)• تراه يمجد القصيدة كما يمجد المرأة، فـ "بانت له القصيدة امراه - بانت ليه لمرا قصيدة"(ريحة الكلام،ص 25)• يستجير بحمى الكلمة من عنف الواقع وابتذاله وزيفه وأوهامه فيتأجج الإحساس بكل ما هو جميل وأصيل فينا، وحين يريد أن يرتاح من وعثاء سفره في السياسي يعود إلى ذاته كلما "توحش راسو"، فتراه "سايح ورا حكمة المحبة" (ريحة الكلام، ص21)، ليجعلنا نحن معه إلى أحلى ما شم في حياته: رائحة شعر مبلل لامرأة خارجة توا من متروسة ورائحة الأرض بعد المطرة الأولى• شكرا للجميع على ابتكار مثل هذه الدهشة الفاتنة التي تليق بهؤلاء المبدعين، وعلى تنظيم مثل هذا المهرجان المحرض على العطاء والنبل• ألا أيها الشعراء، اسمحوا لنا بأن ننتشي في حضرتكم بأريج الحياة•

(*) نص كلمة المكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب في المهرجان الوطني الثالث للزجل بابن سليمان ، دورة فاطمة شبشوب وتكريم أحمد لمسيح، وقد حررها وألقاها بالمناسبة الناقد عبد الرحيم العلام، عضو المكتب المركزي•
2007/5/27 – جريدة الاتحاد الاشتراكي

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



إدريس الخوري

امسيح دكالة
1 - أن أتحدث عن أحمد لمسيح، كصديق وإنسان، كشاعر نازل من أعماق الكلام، وصاعدا إليه، فهذا يعني بأنني أتحدث عن جزء من كياني الجسدي والنفسي والوجداني، فضلا عن الهم الثقافي المشترك، فهل من الضروري أن يعود المرء، كلما انتابه الحنين، إلى بداية تاريخ الصداقة بينه وبين من هو عزيز عليه؟

 بإمكاننا الآن، ونحن نقدم هذا الكائن للقارئ والمستمع قربانا للكلمة، أن نستحضر بعض الملامح التاريخية لهذه الصداقة حتى يكون في المشهد الخلفي للصورة• إن أكثر من ثلاثة عقود، تقريبا، على بداية الانصهار النفسي والثقافي ليست بالهينة، إنها مرحلة جيل بأكمله وقد نضج وتحمل المشاق رغم فارق السن• نحن جيل القنطرة التي مرت عليها الدكاكة المتعاقبة• هو أنا وأنت والآخر الآيل إلى الانقراض بفعل السن والإقصاء•

 شابا يافعا كان، أحمد لمسيح، كائنا دكاليا مشبعا برائحة الأرض والكلام، لقد بدأ ظله الشعري يلوح في أفق الرباط من حين للآخر عبر مستويين: عبر مخاض الشعر وولادته في جسده اليافع، وعبر جمعية "أعن أخاك" التربوية- الثقافية بحي التقدم بالرباط• ثمة صديقان صحراويان جميلان هما النجاتي واليوسي يرعيان هذه الجمعية بكثير من العطف والحنان رغم مضايقات البوليس بحجة أنها تمارس السياسة مغلفة بغلاف الثقافة، في هذه الفترة من أواسط السبعينيات، وكان الخناق على أشده، كان لمسيح قد بدأ يطل علينا بنصوصه الشعرية عبر القراءات في مقرات الحزب، هو ومحمد الأشعري، وعبر "المحرر الثقافي الأسبوعي"• هي علاقة جنينية آنذاك بين شاعرين ومناضلين ميزت تلك المرحلة، حيث الكلمة محسوبة على أصحابها والتأويل سيد التحقيق•

 2-  خجولا أطل، تقول الأغنية المغربية لبلخياط، ولكن إطلالة لمسيح ليست خجولة في نهاية المطاف، بل إنها إطلالة شبيهة بوخز الإبر، فيها نوع من "تحراميات" الشعر والخيال والضربات الموجعة فوق الظهر• شاب نحيل دكالي المولد والمنشأ، سليل الأرض والشجر والماء والحقول• غريكر ومسيسي والدريج وبوفسيو وسطايلة، البقر والغنم والحمير، الفضاء الأخضر كله، بشوش، ذكي، مقلاع، جميل، ودود، إنساني الطباع والصفات، ساخر حتى النخاع، نكايتي، مرن، يعرف كيف يسل الشعرة من العجين، وفي بيته ياما سهرنا حتى الصباح وضحكنا من الوقت ورجاله حتى بانت لنا أضراسنا المسوسة• ثمة غسان وريم الصغيران الجميلان وهما متحلقان حولنا كما لو كنا لهما أجدادا آخرين• كنا نجرهما، و نحن في غفلة من الوقت، إلى التباشير الأولى للصباح دون أن يشبعا من النوم، أما الزوجة الطيبة، أمينة أوشلح، فكانت تحارب الوقت لتنهار في النهاية متعبة وتخلد إلى النوم، تاركة إيانا "نطرز" الكلام تلو الكلام إلى أن نتكربع أليس كذلك يا مصطفى أجدو؟ يا لتلك الأيام الجميلة في خضم هذه الأجواء العائلية الرفاقية، بين وقت وآخر، كان لمسيح يسرق وقته الشخصي ليكتب كلامه العامي والفصيح•  رياح التي ستأتي (1976) - فيضان الثلج (1986) - شكون طرز الما (1994) - بين الظل والجسد (1997)- ظل الروح    (1998) - توحشت راسي (1999) - حريفات (2000) - حال وأحوال (2003) - في البحر ذاكرتي (2004) - زجل (2004) - خيال الماء (2005) - وأخيرا قصيدته المطولة ريحة الكلام.

 هذا هو المنجز الشعري لأحمد لمسيح، وهو منجز يشير، بوضوح، إلى عمق تجربته الشعرية، حيث يدأ بالفصيح وبالعامي دون أن يخلخل نفسه، وحسنا فعل عندما سكن نهائيا في اللغة العامية وطوع قاموسها اللغوي المهمل لتجربته، ذلك أن لغته المحكية هي شعره، من هنا أهميته كشاعر ذي حساسية مفرطة في التخيل•

 لقد كان الزجل في المغرب، ولا يزال، عند الكثيرين ممن يسمون بكتاب الكلمات، ذا طابع غنائي بسيط إلى درجة السطحية والرداءة، فكل من يمسك القلم يتوهم بأنه يكتب الزجل، حتى باتت الساحة مليئة بأشباه الزجالين،

لكن لمسيح، وهذه وجهة نظري الشخصية لا يكتب الزجل بالمفهوم المتعارف عليه اليوم بل إنه يكتب، الشعر في بعده الحقيقي بغض النظر عن اللغة المكتوب بها، من هنا فرادته وتميزه، وإذا وضعنا قاموسه اللغوي، المتكأ على الموروث البدوي، القاصح، لحرش، الرامز إلى إحالات عديدة في الحياة ومفارقاتها، إذا وضعناه جانبا مع أنه عنصر أساسي في الكتابة الشعرية، فإنه أيضا يمتح من رؤيته الحساسة والبصرية مازجا بين السخرية المرة وبين عنف الكلام المتداول: كلامك طايش فطير وما فيه ملحة بلا تاويل محال تلقى من يقبل عليه سير بدل النشبة ما شدات حروف كجماع الضو بين صباعو يهرب ليه إيلا شاف كلامك راسو في المرايا يريب تنفر منو حروفو تشعل النار فيه

3 -  ليس أحمد لمسيح شاعرا فقط، بل إنه فنان أيضا، كناوي، عازف على الهجهوج، راقص، "بوهالي" وقد اكسبته هذه العناصر مجتمعة خاصية فريدة هي اللعب بالكلمات إضاءة لمعنى مفقود، ومن خلال دواوينه السابق ذكرها، يتبين لنا مدى أصالة تجربته بعيدا عن أي تحذلق لغوي معطوب، هكذا فتح لمسيح أفقا للرؤية وللبصيرة وحبب إلينا اللغة الدارجة ودون نزعة فلكلورية مباشرة• هل ننسى محمد شهرمان والدرهم؟ أحمد الطيب لعلج وناس الغيوان؟ باطما وبوجميع؟ هل ننسى مراد القادري وعلي الحداني وإدريس المسناوي ونهاد بنعكيدة؟ ليس من الضروري أن أذكر كل الأسماء الفاعلة في حقل الزجل المغربي المعاصر والأسماء الأخرى الواعدة، ذلك أنهم، كلهم يؤثثون المشهد الشعري الحديث بكثير من التفاصيل والإضافات النوعية، لذلك يحق لنا أن نبتهج بهذه الأسماء وننصت إلى أنينها النفسي الحزين الواصف لحالاتنا، المبتهج، الحالم• آسي أحمد سيدي وليدي حبيبي فريموس خوك عرف من جاك هاتو الخوابي ياولاد اللغة المنسية دماغنا يريد القصيدة كي جيتك؟

شهادة ألقيت في المهرجان الوطني للزجل (5 و6 ماي بابن سليمان )
2007/5/27 ملحق فكر وإبداع (الاتحاد الاشتراكي )

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



محمد الراشق

ورقة حول تكريم الزجال أحمد لمسيح في مهرجان الزجل ببنسليمان يومي 5و6ماي 2007

استهلال التتويج :

اليوم يستردّ الكلام صورته الأبهى، ويدنو منا حصرم المعاني المعتق بالذكرى، وتتحدث الحروف الحبلى عن سرّ الولادات والبدايات… اليوم أيضا، يفسح الماء حيزا لمشاعرنا .. كيف نعبر المجرى إلى الأصل ؟ والأصل نبع وفورة  ظل وخيال سرّ وكنه ومنحة ، ثورة وثروة ، انعتاق وسطوة .. وازدحام الرذاد على صدر الصفحات المبتلة ، بشموخ الكلام " المعسل"  بمداد النهر المرصود.
ففضْ ببهائك ، يا أيها الأسمى في دروب التألق، يا أيها الفارس المُعنّى ، ياعاشق يا أحمد أبشر بقلوبنا الخفقى المتيمة بجذبة لمسيح، وبروحه الزكية والحرف وما أعطى .
قدم الشهم من عمق المدى  وقطر الندى، وتوهج أحراش المسلك المتيّم بأنواع " العيط" والحكي والشذى ... 

 

شهوة البدايات  :

أحمد يا أحمد ها أنت تجري في قيظ الظهيرة، وعند افتتاح صباحات موسم المروج المزدانات بأكاليل الافتنان والبهاء.. عم صباحا أحمد، عم مساء أحمد، عم في كل الأوقات بمزاج العاشق المتنسك. فما أمتعتنا لحظات التكريم، إلا لأنك على الدوام المكرّمُ.

اللي انطق بلسان الطيرْ
وتعنّى بمزاج العنبر
فعيون الناس يزيد يكبرْ
اللي كبيرْ كبيرْ
قالوها ناسْ التدبير...

وأنت الكبير المبجل تجرّ وراءك تواريخ البدايات والنصر، أغاني العشق للوطن الأوحد، وللإنسان المتعدد، كيف صمدت لرّياح العاتيات؟ من " الرياح... التي ستأتي إلى ريحْ لكلامْ ". فأبجديات التأريخ، لاتسعف الذاكرة المبتلة والمشتعلة برحيق وحريق المرحلة، من يجرأ على حوار الريح، من يستلذ بتقلباته حتى يستقرّ ويهدأ، ويتمسّح بأعتابك ياأيها البهيّ الذي تحمّل ،ولم يشتك من ثقل المسألة ، من الريح إلى الريح كان التهابُ المرحلة،

"لحروفْ ما تتعاشْ بلاعشق
ويلا مالقات رْقايقي
            تبقى بكمة" ريح لكلامْ ص : (42)
 
مسالك الحكمة :

فليكن التكريم، على قدر تحمل القلوب الخافقات على إيقاع النبض المتناغم، مع دوران عقارب المحبة السارية في عروقنا، صدقا ووفاء..لكن الشأو أعلى  والمدى أرحب،والقامة في طول السديم ..فكيف نختزل إيقاع المشي في نوع الخُفّ؟. والمسير طويل وعسير، ونسائم الحكمة قد تفرق أريجها، بين جبة العراف ونظرته الثاقبة. نظرتك المشعة النافذة في عمق التجارب عبر محطات وأجيال ، حتى اكتمل الصرح،وأهدى البستان أزهاره وثماره، وكان ذاك فرحك الأكبر..أحمد ياسلالة الأعالي والنبع الأصيل،لم يمض الجهد هدرا، ولم يكن المعْبر ضجيجا،فقد تحققت نبوءة

العاشق ،والرهنامج لم يُخطأ،والبحار عبر اليمّ من المرفأ إلى المرفأ، وانبلج الضوء الكاشف على مفاتن القصيدة الزجلية الحديثة ،كما أردت وكما حلمت، وقد آمنت بالحوار والاختلاف، والاغتراف من كؤوس المحبة التي تدور،وانتصرت على حراس الريح العاتية.. وأعتقت القصيد من الضيم والهم واليأس.. وهاهي الآن تزهو كما تفعل " أم الوبرات" الحالمات بفتنة الربيع الساحر. وبدأت جحافل المستعطفين، تتمنى أن تكون وترا من أوتار " المهلل". فطوبى لك أحمد، بهذا التقدير والتمجيد، والتتويج،والبهاء، والتبجيل، والجمال الصوفي،ونقاء الطوية، والإصرار على احتضان القلوب المتفرقة،والاحتفاء بأسراب الطيور المغردة، أينما أنشدتْ، شريطة أن تفنى في المعنى.
وحتى في غرفة الاستشفاء،ورغم رعشة الذات المنهكة بالحمى،فاضت عندك لمسات المعنى،وتدلت حروف الحكمة، وابتسم الفؤاد قبل الثغر،وزاد شموخك رتبة إلى أعلى.
يا أيها المبجل أحمد، في مثل هذه اللحظات يعجز الكلام ليوفي  للكلام حقه، بل يستحيي الكلام من التعبير عن الكلام،وخصوصا إذا كان الأمر يتعلق بقامة شعرية في حجم الشاعر الزجال المؤسس السي احمد لمسيح.

سحر الإنجازات :

حينما نقف خشوعا، لابد أن نعرف لمن نقف، وحينما نعرف ونتيقن،قد ترتعش الأرجل،أوتحس بثقل المحتفى به،لكنها في الأخير تظل تابثة ، عازمة على اقتسام لحظة الفرح المكسو برداء المحبة النقي. ودائما نطرح السؤال كيف نبدأ؟مع رجل وهب نفسه لاكتشاف خيوط الكلام الموحلة في حناجر التزمت والابتذال،وتأسيس القصيد المنصت لنبض الإنسان وتطلعاته وآماله واكتشاف دواخله . وكيف نبدأ مع مبدع فطن إلى ضرورة التدوين فانطلق ولم يقف،لم يمل ولم يكلّ من 1976 إلى 2007 " رياحه... التي ستأتي- فيضان ثلجه  – شكون طرزماهْ؟ - بين ظله وجسده- ظل روحه - توحّش راسو - حريفاتو - حالو وحوالو - في البحر ذاكرته - زجلو - خيال ماهْ - ريحة لكلامو.
"ومازالْ العاطي يعطي ".. وكيف نبدأ  مع زجال عميق أفسح المجال أيضا لآراءه النقدية، سواء كانت صريحة أو صامته،عن طريق الحوارات العديدة، أو عند تقديمه لملفات ودواوين زجلية تنتمي لحساسيات وتلوينات مختلفة، وكثيرا منها مندس في قصائده الكثر، نوجزها في هذه التوليفة التركيبية

- " لكلام ما هو فراش وغطى
لكلام طريق والناس حروف.
لكلام ما هو صحّ أو خْطى
لكلامْ عين ماها يطوفْ..." شكون طرز الما؟ ص: 46

- " هل هناك تماسّ أوديبي بين قصيدة الفصحى وقصيدة الزجل؟ " " استثمار الحكاية: " حكاية التفاح الحباري" لمناقشة شرعية القصيدة الزجلية وإتباث حضورها القوي وانتماءها إلى قبيلة الشعر." / " هل تسعفنا مقاييس غير ذوقية بين زجل فيه كلمة تجبدْ ختها وزجل ينقب فيه الشاعر- مستعينا بفراسته- في منجم الكلام عن قطعة صغيرة من الكلام الذهب وسط جبل من الكلام التراب؟"
ولو سمح الوقت لأبرزنا خصائص أخرى يعبر بها الزجال أحمد لمسيح عن آراءه النقدية التي تحتاج لأكثر من وقفة تأمل.. ولكن اللحظة أدعوكم لوقفة محبة ساطعة بأنوارها،لنقف إجلالا وتقديرا وتبجيلا وتكريما،للمتوج المعنّى الشاعر الزجال المؤسس والمجدد أستاذ الأجيال، أحمد لمسيح..

محمد الراشق
زجال وباحث في التراث

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



حسن بيريش


أحمد لمسيح
لمذاقه اسم واحد هو: الفرادة

I.
رسوخ البداية:


وقد يقترف بعضا من انحسار، لكن ليمتد أقوى وأعمق، وليمارس مثوله الأبرز في جنبات الديمومة• أما يقين الصيرورة فلم يمتشقه إلا وهو يبدع رسوخ البداية• هكذا أريد أن أحب هذا الشاعر الكبير، هكذا أريد أن أغبطه

II.
شهوة الأقاصي:


خلق أحمد لمسيح ليكون حجة على براعة تحويل الكلام إلى كتابة، والعامي إلى فصيح
الفصيح• وانتدبته موهبته المأهولة بالسبر والتقصي، لكل يعيد المنتهي إلى مبتدأ، والمبعثر إلى سياق• حين أقرأ أحمد لمسيح أعثر فيه على انتمائي• أجد عنده حاسة انحيازي• في صلب هذا المشهد يضيق الأمام• يبتعد الوراء• يبدأ الغير في التلاشي• فأدمن البحث عن نظير لن أدركه• كتابة جديرة بالمدائح• تأخذنا إلى أبعد مدى• تؤجج في يقيننا جذوة السؤال• فلا نعود ننشغل بوصل المنقطع، واستكمال الناقص، فحسب، وإنما نسرف في النأي لنسرف في الدنو• ونجهر بقدرتنا على رفض اطمئنان التوحيدي الموهوم: قضي الوطر، وأدركت البغية• كتابة ناهيك بها إجادة، لم تفارقها شهوة الأقاصي• مثلما لم تحد قيد كلمة عن استغوار الحياة، ومبايعة البواعث الأولى

III.
الاختلاف المزدوج:


انتزع أحمد لمسيح الاعتراف بضلوعه في الزجل، منذ استشعر سيادة الكلمة، واستجار
بحمى الإفضاء، ذات عبور بين زمنين للمضمر والمعلن، للعام والخاص• ارتبط إبداعه عند جيله بعلامتين: استغوار العبارة، بالمعنى الأكمل، التماس الأقصى مع الجرح• وفي مسافة، لا قطيعة، المابين، ثمة تفاصيل تتبصر الوقت، تنوس بين أمكنة، وجوه، وحكايا• ولجيلي تبدى رائيا ليس من طرازه سواه، رأينا فيه صرخة الإنذار المغزولة في نسيج البشارة• ولم يكن لنا ان نعتبره كالآخرين، لأنه يملك الاختلاف المزدوج: مع، وعن• ولأن لمذاقه اسما واحدا فقط هو: الفرادة• ومادمت أذكر، فسأذكر أبدا أن أحمد لمسيح وحده الذي كرس في لغتي الممتدة من ساطع الوضوح الى فاتح الغموض• وجعلني آتي إلى الكلام دون أن أهيل النسيان على الذاكرة، وأكتم سرا على البياض

IV.
حبق الطفولة الأبعد :

كلما تقدمت في قراءة أحمد لمسيح، أغادر مواقع القناعات، لألج مناطق الشك• هي حالة ارتحال لا يستكين صوب المفترض، المستعصي، تنهض بها نصوص تتشعب كيف شاءت في مهب الحياة، وتمعن في افتضاض مجاهل الذوات، لتغدو تاليا ترميما لما تكسر، وتصدع، في الدواخل• لشعر / زجل أحمد لمسيح رائحة مميزة تؤجج الاحساس بمذاق الارض، وتقبض على المحسوس والمرموز في آن• عدا عن حمولة سيرية ـ ذاكرية، تستدعي ركام عمر آب الى الآهة الاولى، الى حبق الطفولة الأبعد• يدرك زجالنا اللافت، هذا الذي أربك جاهز المقاييس عبر انتقاله الى العامية من الفصحى، أن ما هو سياسي يلتهم الشعري ويواريه• بتعبيره، بيد ان نصوصه التي استأثرت بجماع دهشتنا، وروت حدبا كاد يأتي علينا، لم تنطق عن اليومي وحده، ولم تتشكل في منأى عن حوزة السياسي• هكذا أدرك بجلاء كامل ذلك الرأي الذي أطلقه لمسيح، ذات تقديم لشقيقه في الزجل، مراد القادري: السياسة ابتدأت مع أول كذبة في الوجود، بينما الشعر ابتدأ من الحلم

V.
كلام يصطاد الكلام :

بدا لي أحمد، من أول لقاء معه، محكوما بالحياة• مأهولا بالصفاء• ينخرط في التداول اليومي بحنكة وروية، يتوالج مع المستحدثات بتفوق لا يغالب• دون أن يمارس السرية لا مع نفسه، ولا مع الآخرين الذين يتكاثرون من حوله، ويصغون فيه إلى كلام يصطاد الكلام• و إلى قرب آسر لا يطاله ابتعاد• أحمد، الشاعر الذي اختاره وزير الثقافة مستشارا له، لم يتدرب قط على الغياب• فهو غارق في تفاصيل التواجد• يتوحد بامتياز مع الحضور مثلما توأم سيامي• ونادرا ما يقترف النأي، التواري، أو التمنع• لم يصدر يوما عن بطل البساطة، أحمد، ما يسبب للعلائق، علائقه، شروخا أو حتى خدوشا• في ذروة الفرح، فرحه، أجهش ببعض من جوهره النادر: إني يتيم إذا غاب رفاقي• وعند استشراء الأسى، عند تسلطن الخيبة، استمسك بفضيلة الحلم، التي هو وحده يعرف متى وكيف يشهرها، ولم يند عنه أكثر من: أنا غاضب مني عليّ• وأيم الحق، تبدى لي أحمد، وأنا أغادره: أكثر من رجل• أقوى من شاعر• للقائه عناوين كثيرة، ليس أولها البهجة، وليس آخرها الغبطة

VI.
الطاعن في عمرنا :


يجهر أحمدنا، ذات انسياب يحاكي الأنهار، بشكل تعاطيه الفائق مع الإبداع: الكتابة إذا لم تصل حد العبادة فهي استمناء• بهذه الإضاءة النظيفة من العتمة، يتكشف زجالنا الأبهى عن جينات خاصة تتوارثها أشعاره التي يتواضع فيعتبرها مجرد: تنويعات وتمرينات لذلك النص المتوقع والمطارد أبدا للقبض عليه حيا أو ميتا• أحمد، يا أيها الزجال الكبير، الطاعن في عمري بلا حد• عبرك نمارس التطواف حول جوهر متسرب أبدا منا• بأثرك، ببصمتك اللا تمحي، نمسك بكل العبارة، لا بظل كلمة ـ كما تدفقت يوما إلينا، واصطدت دهشة كبرت بيننا، باختصار رائع• أحمد، يا قريبي في البعد• لماذا يتسامق الحبور في دمنا حين تكون أنت، أنت وحدك، محور الكلام وألفباء الحديث؟ لأنك أنت القائل: أسير، وأسير، ولا طريق

VII.
خطفني إليه :


ردو البال أهياوين ردو البال
ذاك الحاضي الساروت، للناس عمال
والحق الله يرحمو ف الركنة عطّال
ما لا بْسو غير القوي وبْلا تفصال
الحق ف القبة البيضا ساقي وكسّال
وف الخيمة المرجومة للميت غسال
والفرح باكي، ولّى يتيم وهجال
لله قولوا واش يفك هاذ لخبال

هذا مقطع من قصيدة فلسطين غار في السما، خطفني إليه في لحظات نضرات، انتهى عند حافتها الإعجاب، ليبدأ الانعطاف صوب محبة خالصة• على رائحة برق هذا الزجل المقاوم، صحوت: أما من ظل في لفحات الهجير؟ أما من عزاء في متاهة التطلعات؟ أما من مؤشر على تحول وانتقال؟ يجيب طفل حيفا البلوري، سميح القاسم، نيابة عن أحمد وعني:
بعد كل هذا الليل لم يبق إلا أن يشرق الحجر!•
أجل: لابد لنا من شروق• نحتاج الى شروق

.VIII
يتكاثر شاعرا وناثرا :


ثمة شعراء يصعب ائتمان النثر عليهم• وآخرون عرايا من صنيع تحويل ما هو نثري الى ما هو شعري، يملك أجنحة التحليق خارج مدار البياضات• ـ أما اللاعب بالبلاغة، أما أحمد لمسيح: فهو المؤتمن الدائم على الصنعتين• يتكاثر شعرا ونثرا• ويسبقنا الى الغد• طوبى لك، أحمد، وطوبى لنا بك•


شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



مراد القادري

أحمد لمسيح•• الله إعطيك القبول!!

أتشرف هذا المساء بتقديم أحد آبائي، الآباء الرمزيين الذين نسعد بهم ويسعدون بنا، كلما خطونا خطوة جديدة، أو لثغنا بحرف طري• أحمد لمسيح، اسم وقصيدة، فتحت عليهما ادراكي الشعري، عندما جئت إلى القصيدة الزجلية في بداية الثمانينات• كانت قصيدته "بلادي المزوقة من برا، أش اخبارك من الداخل؟" مازالت طرية، تملأ الأذان والوجدان، ربما لأننا عثرنا فيه على احساس ما، احساس بالانتصار من مظاهر الظلم والقمع والتهميش، لذلك انتصرنا، نحن بدورنا لها، وأحببناها، ومن خلالها أحببنا منتجها وصاحبها الشاعر الزجال أحمد لمسيح• وكيف لا نحبها ونحبه، وهو يبشرنا فيها بأن:

اللي اطلع دابا ينزل
اللي سمن دابا يهزل
لا باس••• لا باس
لا مقدم، لا عساس
لا تعظم مالين الجاه
الرزق ضامنو، وانت مولاه

سيتاح لي فيما بعد أن اطلع على ديوانه الاول: "الرياح التي ستأتي" الصادر سنة 1976، وأعجبت كثيرا بالتقنيات التي وظفها لمسيح من مثل استعماله للامثال، وتضمين المرددات والاغاني والخرافات الشعبية، وغير ذلك من التقنيات التي كانت مستلهمة في القصيدة الفصحى•
كل ذلك هو ما منح قصيدته الشعرية الدينامية الجمالية والفنية، والقدرة على الايحاء بالظلال، والارتقاء بالدارجة إلى مصاف الشعر وتجنيبها السقوط في الكلام المبتذل والعادي•
أما من جهة أخرى، فقد اكتشفت، أنا الذي بدأت أرسم خطواتي الأولى في حقل الكتابة الشعرية بالدارجة، كيف أضحت لبعض المرددات الشعبية من أغان وعيوط التي كان البعض ينظر إليها باحتقار وتبخيس، قيمة اعتبارية عندما احتلت مكانتها داخل القصيدة، وأصبحت جزءا من بنائها الدرامي والشعري، من مثل ذلك أذكر استعماله للاغنية الشعبية (هي هي جاية تصفار وتخضار) في مطلع جميل صار كالتالي:

هي هي جاية تصفار وتخضار
هي هي جاية سايكها عمر

ولم يقتصر ادماجه لهذه المرددات الشعبية فقط قصيدته الزجلية، بل اتسع، ليشمل بعض ما كتبه بالفصحى• أذكر هنا قصيدته "العودة من القيامة" المنشورة بمجلة "افاق" عدد يناير 1982• وهي القصيدة الفصيحة التي تخللتها مقاطع شعبية بالدارجة من كلام كناوة:

سيدي كال لحمية
لالة كالت شحيمة
ومباركة قددت العظم
ومبارك يطلي الدم
سيدي ضرب لالة
ولالة ضربت الخادم
الخادم ضربت مبارك
مبارك بقى عادم
 
 كنت شخصيا مفتونا بهذه الجرأة والقدرة على التقريب بين قارتي: الفصحى والعامية، التعبيرين اللذين تجاورا في تجربة أحمد لمسيح الشعرية، رغم أنه اشتهر كزجال، تجاوزت دواوينه الزجلية أصابع اليدين، فيما ظل ديوانه الفصيح "فيضان الثلج" الصادر سنة 1986، وحيدا في ريبرطوار الشاعر• إن توالي إصدار دواوين زجلية مؤشر على اختيار واع وانتماء صريح للغة الدارجة، اللغة التي نغضب ونحلم بها، وبها نسب ونلعن• والظاهر أن احمد لمسيح قد عثر في الدارجة على هويته ومنفاه، منفى يضمن له اقامة حرة، بعيدا عن الفروض الواجبة والقواعد الصارمة التي تجعل الاقامة في اللغة العربية على حد تعبير الدكتور جمال الدين بن الشيخ: اقامة في : "صرح رائع لكنه مرعب"• ينتمي احمد لمسيح، شعريا لجيل السبيعنات، الآتي أغلب أفراده من كلية ظهر المهراز بفاس (محمد بنيس، احمد بلبداوي، عبد الله راجع•••) وهو الجيل الذي كان له دور بارز في تطوير وتحديث أشكال ودلالات القصيدة المغربية المكتوبة بالعربية الفصحى، وهو الفعل ذاته الذي أنجزه، على مراحل أحمد لمسيح على واجهة القصيدة الزجلية بتمرده على أنظمتها ونماذجها القديمة• إن الشعر عند الفريقين معا، واحد وذلك بالرغم من أن كل واحد منهما بنى لنفسه مساره الخاص في اللغة• لكنهما يلتقيان في كون الشعر لديهما قراءة في علاقة الانسان بالوجود وتفكير في جملة المتناقضات التي تسم الذات والعالم• عندما نفكر في طبع باكورتنا الشعرية، ونرغب في أن تصدر بتقديم لقامة شعرية هامة، حتى نضمن بها حقنا في الشعر وولوج عوالمه، لايسعنا سوى أن نقصد نماذجنا الاثيرة التي نحبها ونرغب في الاقتران بها شعريا• ذلك ما فعلته عندما قررت إصدار ديواني: "حروف الكف" سنة 1995• إذ تفضل أحمد لمسيح بكتابة تقديم جميل له، بدأه بالتحية التالية: "مني ليك••• سلام راوي مني ليك••• كلام ضاوي" وختمه كأي قارئ للفنجان: "هناك••• مراد الغد البذرة، المتمهل على زنده، لذلك يحق لي أن أقول مراد القادري رهاننا في، على الكتابة الزجلية"• منذ ذلك الوقت، وأنا أكتب الزجل حتى لا أخيب فراسة أحمد لمسيح، وظن الكثيرين ممن يتطلعون إلى قصيدة عامية تكون أختا لا ضرة للقصيدة المكتوبة بالفصحى ولا تملك أية أوهام ضدها، وتنأى عن السطحية والتهريج والاسفاف، لتؤكد على دينامية الدارجة وعبقريتها وقدرتها على صوغ رؤية شعرية للذات للعالم وللوجود• تحية للشاعر الذي ديعه النشاط تحية لأحمد لمسيح، النابت في دكالة والمقولب في الرباط تحية للشاعر الذي دعت معه حناه: الله يعطيك أوليدي القبول الله يجعل قرايتك ف نعاسك حتى تولي تجبد لكلام من صدرك بلا ورقة• آمين••• آمين•

(*): نص الشهادة التي قدمت خلال اللقاء الذي نظمه فرع المحمدية لاتحاد كتاب المغرب مع المبدع أحمد لمسيح، مساء الأربعاء 23 يناير 2007•
2008/2/1

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



لحسن العسيبي

الشاعر الزجال أحمد لمسيح فالتلفزة
لكلام لمرصع

مع توالي الدقائق، كانت الحلقة الأخيرة من البرنامج التلفزيوني " مشارف " بالقناة الأولى، التي بتث ليلة الأربعاء الماضي، تتصاعد، سموا فكريا وثقافيا، بالشكل الذي يجعل المتتبع يستشعر غبطة امتلاء رائقة• فقد كانت سلاسة التواصل بين معد البرنامج ومقدمه، القاص المبدع ياسين عدنان، والشاعر المغربي الزجال أحمد لمسيح، تحقق متعة فكرية أصيلة، كم اشتقنا إليها في منتوجنا الثقافي بالتلفزيون المغربي•

 لقد أخدنا صاحب " رياح التي ستأتي "، " ريحت لكلام "، " توحشت راسي "، " حريفات "، " شكون طرز الما "، " ظل الروح " و" فيضان الثلج "، إلى ضفاف أسئلة ثقافية رصينة حول اللغة وحول دور الزجل في منتوجنا الثقافي المغربي، الذي هو ديواننا الخاص الذي به نتميز، ضمن المنتوج الإبداعي العربي كله• ذلك أننا لا يمكن أن نعيد - مغربيا - إنتاج ألق المعلقات الشعرية العربية القديمة، كما أننا لا يمكن أن نعيد إنتاج أسماء راسخة في الإبداعية الشعرية العربية والكونية، مثل طرفة بن العبد وامرئ القيس والمتنبي وأبي تمام وبدر شاكر السياب وعمر أبو ريشة ومحمود درويش وأدونيس،، وغيرهم كثير• لأن مخيال المغربي تؤطره جغرافيات أخرى، ورؤى حياة مختلفة، بينها وبين هجير الصحراء وعزلة الفيافي ( التي جعلت اللغة معجزة إنسان تلك الجغرافية العربية الممتدة في المشرق العربي، المجبول على الترحال الدائم في أديم الأرض )، مسافات يحفرها التداخل الهائل ثقافيا عندنا مغربيا بين البحر والجبل والسهل والصحراء• فكان طبيعيا أن يكون الملحون ديواننا المغربي، وأن يكون الزجل عنوان خصوصيتنا المغربية تلك، بعيدا عن الحواجز الذي تحاول أن تضعها المعرفة العالمة، الساكنة بين أسوار الجامعات أو عتبات المحافظة والتقليد، أمام هذه الإبداعية " الحرشة "، المنتمية لصوت الناس وروحهم ووجودهم اليومي• وهذا هو الذي وهبنا أسماء وتجارب راسخة في الإبداعية المغربية مثل سيدي قدور العلمي، وسيدي عبد الرحمان المجذوب وأحمد لمسيح وإدريس لمسناوي ورضوان أفندي ومحمد باطما والغيوان وجيل جيلالة ولمشاهب،، وغيرهم كثير من مبدعي القصيد المغربي• وبهذا المعنى، فقد كان الإنصات للحوار والنقاش مع الزجال المغربي الكبير أحمد لمسيح ( أول من طبع ديوانا زجليا بالمغرب ستة 1976 )، نوعا من المصالحة مع صوتنا المغربي الأصيل، الذي لا يُجَمِّل، بقدر ما يذهب رأسا صوب الحقائق ويسمي بوعي، الأشياء بمسمياتها، ويبث في الناس معنى الإحساس بالإمتلاء، من خلال الإعتزاز ب " تامغربيت "، التي ليست إنغلاقا شوفينيا، بقدر ما هي لحظة إنسانية لإبداع جماعة بشرية في التاريخ إسمهم " المغاربة "•

كان أحمد لمسيح عميقا، وهو يحدد بوضوح أن المقدس في التعامل مع اللغة هو النص الديني وليس القناة التي وصلنا عبرها ذلك النص المقدس• لأن اللغة تلك، سابقة عليه• وأن اللغة مثل السكين، على قدر ما تكون أحيانا مدافعة عن حياة، قد تستل تلك الحياة أيضا، وأن الإنسان هو الذي يوظف تلك الأداة في هذا الإتجاه أو ذاك، صوب البناء أو صوب الهدم• مثلما كان عميقا وهو يسائل تجربة الزجل، حين طرحها في أفقها الإبداعي، الذي سيكون من الوهم الإعتقاد أنه في خصومة مع اللغة العربية، لأنه كما قال " الدارجة ولدتني، والعربية ربتني "، بما يفيد أنه لا يمكن التنكر لخير هذه أو تلك• ومما يمكن للواحد منا أن يؤكد عليه في مقام مماثل، أن الزجل هو صوتنا المغربي أمام الحياة، الذي يمنحنا أن نخاطب الكينونة بسلاسة وبشكل مطواع• وأنه أثرنا الإنساني الصرف أمام ديمومة الأزل، الذي يجعلنا نتماهى مع صورنا التي نبدعها بالكلمات الخارجة من " فران الحياة "، هكذا بدفق سلس، دون حاجة إلى أن نتاجر بها من أجل حرب مفتوحة ( ومتوهمة ) بين العربية والدارجة• تلك التي ينخرط فيها بحمية بعض ممن يسبون الملة ويأكلون النعمة، بالأورو في صالونات باريس•

• شكرا أخي أحمد لمسيح، شكرا الصديق ياسين عدنان، فقد حلقتما بنا في دنيا جمال ثقافية رائقة، ذلك الأربعاء، تلك الليلة الدافئة••


الاتحاد الاشتراكي 2007/7/8

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



حسن نجمي

الشاعر الزجال أحمد لمسيح: كتابة تحن إلى نفسها

( ..... )في ظرف سنتين، و ربما أقل من ذلك، أصدر الشاعر المغربي المشاغب أحمد لمسيح كل هذا الدفق من الأعمال، في حلل فنية متميزة و بإشراك واع لفنانين تشكيليين مغاربة أساسيين ك "بلامين و عبد الكريم الوزاني و خليل الغريب"، و بالأساس بحرص على تطوير تجربة الكتابة الشعرية و الذهاب عميقا في العملية الإبداعية و الجمالية  داخل العامية المغربية سليلة العربية الكلاسيكية    ( المسماة فصحى).

          أسعدني هذا الحراك الشعري لدى الصديق أحمد لمسيح. فبالإضافة إلى أهمية هذا العطاء الذي يثري تجربة التراكم الذي تحقق حتى الآن في حقل الكتابة الزجلية بالمغرب، يجدد في داخلي ذلك الشغف القديم  الذي يربطني بشعرية لمسيح الزجلية، منذ حفظت الكثير من قصائده العامية  نهاية السبعينات و بداية الثمانينات الماضية، و أنجزت حول تجربته بحثا جامعيا  متواضعا لنيل الإجازة في الأدب الحديث (الرباط 1984)، و رافقت سيرورة  إبداعه الشعري و النثري و اقتسمنا معا الخطوة و الأفق و الاختيارات المرة الأسيانة.

         إن أحمد لمسيح هو أحد أهم الأصوات الشعرية في المتن الزجلي الحديث  و المعاصر بالمغرب، و في مسار تجربته هناك تعدد في الإمكانيات و الخبرات الجمالية و المرجعية، و تمثل متحرك للعامية المغربية (لإحدى العاميات العربية في المغرب، في الحقيقة)، و إذا كان لا بد أن أضعه بين ثلة من كبار الزجالبن الشعراء (و لا أتحدث هنا عن كتاب كلمات الأغاني مع احترامي لهم جميعا)، فإني استحضر على الخصوص أسماء كبرى من أمثال سي أحمد الطيب العلج، الأستاذ علي الحداني، الأستاذ حسن المفتي، و كل له صوته الخاص و قيمته اللافتة. لكن هناك أسماء أخرى أساسية جاءت لتعزز مكاسب القصيدة الزجلية في المغرب من أمثال: محمد شهرمان، عبد اللطيف بنيحيى، محمد بن عيسى، محمد الدرهم، ادريس المسناوي ، مراد القادري، محمد الزروالي، عيسى بقلول  الحياني، رضوان أفندي، نهاد بن اعكيدة، فاطمة شبشوب، محمد موثنا، نعيمة الحمداوي، القضيوي الادريسي، محمد عزيز بنسعد، محمد الراشق....

        و الواقع أن القصيدة الزجلية تم تلق عموما الاهتمام النقدي و النظري الذي تستحقه في المغرب، و ربما لما يطرحه مشكل اللغة و لتعارض العامية مع اللغة " الفصحى"، و غياب ما يكفي من مفاهيم و أدوات و تمرس لإنجاز قراءة لائقة و في مستوى الفعالية  الشعرية و الجمالية للكتابة بالعامية، و لغياب المراجع المؤسسة التي قد تسعف النقاد و الباحثين بمادة نظرية و توثيقية تشكل قاعدة انطلاق.

و حتى على المستوى العربي، لانكاد نتذكر إلا بضع مؤلفات اهتمت بالموضوع و بعض الكتابات و الدارسات المتفرقة نذكر منها كتابات غالي شكري، يوسف الخال، كمال خيربك، فضلا عن بعض كتابات الأستاذ الدكتور عباس الجراري، و جلها حول القصيدة الزجلية القديمة( قصيدة الملحون)و التي اهتم بها أيضا الأساتذة أحمد سهوم، عبد الرحمان الملحوني و المرحوم محمد الفاسي.

       إن أحمد لمسيح لم يأت من فراغ، فهو أحد أصوات القصيدة السبعينية بالمغرب، خريج كلية الآداب بفاس، و خريج البيئة القبلية أساسا، فهو ابن منطقة دكالة، من زاوية سيدي اسماعيل. و تشرب الأصوات الغنائية و الشعرية و الموسيقية الشفوية مما نعثر على تجليات لها واضحة جدا في تجربته الشعرية الأولى. تلك التي تميزت بعنف الخطاب و هيمنة الهاجس السياسي و نزعة التحريض و التلقين و استثمار مكونات الخطاب الساخر، و استعمال العامية البدوية الرائجة في البوادي المغربية و القريبة من شفاه الناس و في مستوى فهم "العامة".

       أما الآن، و كما يجسد ذلك العمل الشعري الجديد "خيال الما" و قبله "حال واحوال "و "حريفات "و "توحشت راسي"، فقد ارتقت كتابة لمسيح الزجلية باتجاه لغة شعرية أكثر صفاء و تشذيبا، أكثر تفصيحا للعامية، و أكثر التصاقا بطابع الكتابة في القصيدة العربية الحداثية المعاصرة. فقد ابتعد فضاء البوادي، و اختفت مكونات الخطاب الشعبي اليومي. كالأمثال الشعبية و روح التنكيت و الثنائيات الضدية و منزع الحكي و البنيات الثلاثية... و طغت نزعة صوفية تنتصر للصوت الفر داني المتوحد الذي  لا ينتبه إلا إلى لنفسه، و لا يحن إلا إلى نفسه. و صارت اللغة أكثر هدوءا و نعومة. صار المعني باطنيا و مكثفا و غدا الأفق الروحي ملاذا للكتابة و للذات الكاتبة.

      إن الشاعر أحمد لمسيح يعيش الآن مسار تحول عميق، و لا أبالغ إذا قلت بأن كتابته الشعرية تجتاز نفسها باتجاه إبدال جمالي جديد. و هو مكسب للمنجز الشعري المغربي المعاصر.

المصدر: جريدة الاتحاد الاشتراكي ( عدد 18 ماي 2005 ، الصفحة الأخيرة)

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



محمد الهرادي

أحمد لمسيح : الشاعر لي توحش را سو

كلما التقيت أحمد لمسيح ، عنوة أو صدفة، وطيلة السنوات التي مرت ، أوقعني دون إرادته في فخ العواطف التي تثيرها شخصيته الآسرة ، الغامضة ، والمتعددة ..
يحدث أحيانا أن أقارنه بتلك الشخصيات الروائية التي تبحث عن قيم يستحيل إدراكها ، وعبر هذا الإسقاط الموجه أحاول أن أصل إلى جوهره وأفقه ، لكنني لا أجد خلف ذلك إلا القليل ... ومن هذا القليل أنفذ إليه وأعيد صوغ صورته باستمرار تماما كما يحاول هو نفسه أن يقوم بذلك .
أثارتني في البداية تلك العلاقة الشفافة التي عقدها مع محمد الأشعري  وهما معا يستـقران ، في شبه انتظام بمجلة " أقلام"  لتحاورا في " أمور الوقت " وفي قضايا الشعر الذي كان وقتها يفتح آمالا وسط خيبات الأمل . كان كل منهما يستـقرئ " تجربة " الآخر ويخلخل أساسات تلك القصائد الطرية التي كانت أسئلتها الجذرية أقوى منها ، ثم تشعبت هذه العلاقة الشبيهة بعلاقة " الثنائي " الذي تـتصادى خلفه أصوات ( الكورس ) لتشمل القراءات الشعرية المشتركة في المقرات والاتحادات والمنتديات ، وكانا معا ، وهما يرسمان الإشارات  ويدفعان  بمشروعهما إلى الأمام ، يوقظان فينا تلك الكلمات النائمة التي تنتظر أن تقرأ ، بعد أن قطراها من تجربتهما النضالية  في غفلة عنا ..
كثيرا ما ولجت مقر الحزب بالعكاري لأستمع  إليهما ، وأتأمل بالخصوص تلك الغبطة التي ترتسم على وجوه الجمهور الشاب الذي حين يسمع لغته اليومية  وقد جاوزت حدود استعمالها  وصارت شذرات حكمية ، يضج بالهتاف  والتصفيق ، وهذا يعني انعطافا مثيرا يؤسسه أحمد عن طريق إعادة الشعر إلى أصحابه  : الجمهور  ، وهو مالا يستطيعه الشعر " العالم " " الفصيح " إلا في النادر ، وبشروط عديدة لا داعي لذكرها ..
منذ تلك البدايات ، أي منذ أوائل السبعينات  ، تحولت أذني التي تستمع إلى أحمد لمسيح  إلى مخلوق آخر ، وبالفعل حاوت هذه الأذن أن تلتـقط تلك العلاقة الممكنة بين إرسال الكلام وإنتاج الشعر ، أفلتت الكثير ، لكنها اكتشفت دوما تلك النجوم المضيئة في مشهدنا الشعري الذي ليس قاتما بالضرورة .. وأشعلها أحمد بيقين الكاشف المتواضع ...
بعد سنوات قليلة من هذه البداية التي وثقت الروابط الأدبية بين شاعرين تفرعت السبل واستقل كل منهما  بطريقه وشهوده ومخاطبيه ، لكن ذلك اللب الإنساني الذي تدعمه قضية واحدة لم يهترئ  ، ولم تذبله السنوات الساخنة  أو المجذبة التالية ...
بقي أحمد لمسيح كما كان ، يخترقك بنظرته الكاشفة ويرسل إليك كلمة واحدة مرتجلة  تجعلك تخلق  نفسك مرة أخرى على شكل كائن ضاحك يكتشف العالم للمرة الأولى ، كما يجعلك تعتـقد أن  هذا الكائن " المجذوب " الذي قدم من باديته المفتوحة  " ليـتمـسمـر " في الرباط ليس هو نفسه دائما  ، إنه " الآخر " الذي يهمل حلق لحيته  ليوهمك أنه يضع قناعا ،  ويلبس طاقية  ل " يختفي " عن الأنظار ، ويتكلم  قليلا ثم ينسحب  حين يكون مهموما ، و " يحتـل " البحر لوحده في الليالي الحبلى بالكلمات  ، وهو ينتظر طلوع الفجر في محاولة لاصطياد ذلك  " الشيء " الذي يتمخض في بحر صدره .. والواقف أمامك وخلفك  دون نوم أو طعام  في " الملمات " الثقافية الكبرى ، خصوصا منها مؤتمرات اتحاد كتاب المغرب .
مضت سنوات عديدة منذ ذلك اليوم الذي حل فيه المهدي أخريف قادما من خريبكة للمشاركة في نشاط ثقافي لجمعية " أعن أخاك "  ، كان أحمد مسؤولا  عن تلك الأنشطة التي كنا نسميها  " أعن أخاك بالقراءات الشعرية " ، ولسبب ما وجدنا أبواب المقر مغلقة ، كأن قدرا ما لم نخمن مفاجأته ، حول هذا " النشاط " إلى وجهة أخرى ، أي إلى بيت أحمد وأمينة باليوسفية ...
وقتها كان الطفل غسان  قد انفتح له أفق ملئ بالانتظارات  التي ولجت به منذ طفولته الأولى إلى عالم  " السياسة " و " الثقافة "  وفيما هو يتراكض أو يندفع نحونا ليدلي برأي أو موقف حاسم  ليشاركنا دون تردد ، في الموضوعات العامة التي كانت تؤثث ليلنا الطويل : حدث أمر هام غير متوقع ، ولكنه ضروري ، وكما نزل المن والسلوى من قبة السماء لقوم آخرين ، نزل أمامنا  ذلك " الكائن " العجيب الذي اختلفت الديانات في تصنيفه ، وضحك المهدي أخريف  كما لم يضحك مطلقا من قبل وهو يلمس  ذلك  العمق الأبيض الطيب ويتحسس ا ستطالا ته  ونتوءاته ومواقع ضعفه وقوته . لم نستطع جميعا ، ونحن نجلس صحبة شباب رفاق ، أن نغالب قوة المفاجأة ، ولذلك شمر كل منا عن ساعده ليكون في مستوى الحدث .
أليست بلاغة الكتمان  هي التي اخترعت الكلام ، أليس غياب الكلمات  هو المدخل لقول الشعر المنذهل بعنفوان زمانه ؟

محمد الهرادي : بورتريه من المغرب
- جريدة الاتحاد الاشتراكي : 17 دجنبر 2000

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



عزيز أزغاي

أحمد لمسيح من السكويلة الى ظل الروح

قريبا من ثرثرة  السابلة ... بعيدا عنها بقليل، يختار أحمد لمسيح دائما أن يكون على شفى الأرض... الأرض البيضاء التي بوجوه من استعارات و حواس من ورق و بالحرس التي يليق بنزاهة في الحياة، يدخل صاحبنا إلى معمعانها و إلى معمعان الشعر بغير قليل من المغامرة- مغامرة وضع اليد حيث يجب لها أن توضع دون أدنىاكتراث للفواتير وردود الفعل الآهلة بالخفة والتسرع القارس ، بحيث بإمكانك أن تعثر عليه ، كلما نزل إلى ضجيج العاصمة بحثا عن نكات ضالة ، غارقا في تأثيث شؤون كلامه الخاص حتى يبقى وفيا لذات الفكرة التي قادته في عمر مضى إلى نسج الحكمة – حكمة التاريخ والأجداد وعامة الناس ... حتى أنه يقول :

عشراني في الكلام
حاطبين الليل
عاطيين ظهرهم للظلام
ونورهم سبيل
أثرهم في الروح وشام
ونومهم قليل  ( ظل الروح  - ص 15)  

بهذه الهمة العالية ، يمكننا قراءة أحمد لمسيح شاعرا مبدعا وصديقا للجميع  ، وقبل هذا وذاك إنسانا ينسج عبوره الواثق  ، فوق هذه الأرض ، بالشكل الذي يراه أهلا بصرخته الأولى ، تلك التي قالها مرة بإحدى بطاح دكالة المعفرة بعرق الفلاحين والخماسة وصغار هذا الشعب .
كيف ، إذن ، جاء إلينا هذا الرجل اللذيذ  بكل هذه الجذبة الشيقة ، التي تجعلنا كلما انخرطنا في ميزانها نحس  بأننا أصبحنا مشبعين بحقيقة الأرض  وبسمو إنسانها المغربي البسيط ، صانع بهائها الهائل ؟
جوابا  على هذا السؤال ، اسمحوا لي أن أحملكم معي إلى مطلع الخمسينات ، هناك بالذات سنجد أحمد لمسيح  غارقا في ألعاب ورثها هو وأقرانه  عن أجيال سبقتهم ، ألعاب مثل ( شيرا ، التعابيز ن هيرا ، وحراز الحايك .... ) حين سمع البراح يطوف مناديا بأعلى صوته  :  " السكويلة غاتحل  ، وخاصكم تمشيو  تقيدو  اولادكم عند المدير " ...
كان صديقنا آنذاك لم يتجاوز سنواته السبع بعد  ، الذي جعل أمر قبول " تقييده لدى المدير " أشبه بليلة العيد  ، هذا الفرح الذي سرعان ما بدأت شرارته تخبو  كلما قرب موعد الالتحاق  ، ليختلط بمزيد من الدهشة وبسيل من الخوف ... كان ذلك في إحدى صباحات سنة 1956 أو 57  ...
في ذلك الصباح الاستثنائي ، اكتشف أحمد الصف وتحية العلم والمناداة على التلاميذ بالأسماء ، كما اكتشف المعلم والقسم والجلوس على الطاولة حيث الأقدام لا تصل إلى الأرض ... إلى غير ذلك من طقوس السكويلة  ، أيام كان على الآباء شراء الحقائب وريشة العربية وريشة الفرنسية وعلى السكويلة المداد ...
في البداية كان صاحبنا لا يفكر سوى في الدراسة ، كان لايعرف من الوظائف سوى وظيفة المعلم .. بعدها بدأ يعرف أن هناك المفتش والقايد والطبيب .. إلخ  ، حتى أنه رأى يوما أن بإمكانه أن يجهد نفسه  بالدراسة حتى يصبح وزيرا مرة واحدة ، ليصدم فيما بعد بكون هذا المنصب وما يعادله لايصله صاحبه بالقراية  ... فكان شغله الشاغل بعد ذلك هو النجاح فقط... كان صاحبنا يغادر بيت العائلة في الصباح الباكر باتجاه المدرسة ، حيث يقضي النهار كله  ، وبين حصتي الصباح والمساء  يتناولون غذاءهم  تحت أشجار الكالبتوس ، جنب الطريق  ( خبز مدمس بالزيت أو الزبدة وزجاجة صغيرة بها شاي يحكم إغلاقها  بلفتة أو جزر ة .. ) . ولا مجال بعد وجبة الغذاء " الغنية  " هاته للنوم  ، لأن المقالب تتربص  بالمتهاونين ، ( اغفل طارت شكارتك ) أو تستيقظ فتجد سروالك مفتوحا  ؟
هكذا ، إذن ، بدأ صاحبنا في تحصين هواجسه وطموحاته بالتحصيل  ، دون أن يبعده ذلك عن استعمال خياله الطري لتقليد أبطال قصصه  من المقروء  في بلوغ ما يحلم به  ، حتى إنه مرة ، وبعد تأثره بنص " رسالة إلى الله "  الذي يحكي قصته طفل  كتب رسالة إلى الله يطلب منه قضاء حاجة ما ، ثم وضعها  بصندوق البريد  ، هذه الرسالة قام بالإطلاع  عليها أحد المحسنين  فحقق  للطفل أمنيته  .  وبما أن صاحبنا  أحمد كان يحلم  في طفولته المبكرة بالحصول على دراجة للسباق ، فقد كتب هو الآخر رسالة  على منوال طفل القصة  ولحد الساعة ما يزال لا يعرف مصير رسالته ، حتى بعد أن التحق بالمعهد الديني بالجديدة  لإتمام دراسته الإعدادية والثانوية  ثم الجامعية فيما بعد بفاس .
لكن ما نعرفه عن أحمد لمسيح  ، كما تحكي قصائده  الزجلية والفصيحة  .... أنه أتانا أعزل  يطلب دفأنا ، حيث يقول في " الما .. كانة " :

جيتكم كتفي عريان  دفوني
منكم طالب  لحمية ، لا تلوموني
رانا  غير مسيح
ديَّعني الن... شاط
لخرين سلامهم ركلة بالسباط
جايكم هربان بالمحبة
نخبي منها ماشاط
راني  نبت في دكالة
وتقولبت في الرباط      ( شكون اطرز الما ؟ - ص35)

ألقيت هذه الشهادة في حفل تكريم أحمد لمسيح بنادي الأسرة التابع للمسرح الوطني محمد الخامس في شهر مارس 1998
المصدر : جريدة النشرة ( عدد 20 – 26 أبريل 1998)

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



محمد جبران

بورتريه
أحمد لمسيّح: راعي ممالك الكلمات

من العسير علي، و لا على شبيهي في اللهفة الممعنة في العشق ، اللحاق بعبد فقير إلى الله من زماننا الأغـبر ، يدعى، و الله أعلم: العزيز أحمد لمسيّح، و بالأحرى القبض عليه، و بالتالي نحت صورة شخصية تقريبية تستلهم الاحتفاء به بمنأى عن كواكب مدارج الاحتفاءات التي طوقته أضواء صعودها أخيرا.
ف" لمسيّح "-  كمواطن لا بد منه -  يمتص سلطة النص، لطبيعة حقيقة مجرى التفويض الرسولي الذي نذر روحه له  ، فهو رحالة في أصل منبت جذور الكلام لا الفروع، و ليس كل كلام مشغول   بوهم الإحساس بالكتابة إبداعا. و لا كل تشوهات الخلق خارج ديمومة رعاية الآلام و المكابدة ، و بالتالي تغذيتها – من سحر حليب المعرفة -  و استثمارها على خلفيات جماليات خيال مفكر فيه ،  لغاية معنى الطلق و مباركة ولادة القصيدة، زجلا. كم يلزم لمسيح من أعراس و زغاريد مؤجلة؟  كما يلزمه من دم، و من صرخة موعودة بالاشتعالات في ليالي الأنياب الطويلة .  وحدته بملء ضجيج الدنيا ؟  فكم يلزمه من حر الدفع مدا و جزرا، صعودا و نزولا. ابتهالات عرق و جفاف في الحلق ؟ كم تلزمه من بلاد حتى يسبك فتنة للقصيدة، يعمدها و يمهرها بخصوصيات طين جغرافيا أحباب الله، و يسمى الأشياء بأسمائها ؟
على حافة بزوغ فجر القصيدة، ملاك عناية من نور الاحتراق. قابلة/ ولادة بمعنى من المعاني. فكم يلزم لمسيّح من متاع الدنيا – يا شبيهي غض الطرف مؤقتا عن...  و ما الدنيا إلا متاع الغرور – حتى  ييسر لفلذات كبده سبل عيش كريم يليق بألق القصيدة  ؟ وهي محصلة حرقة الدم النازف  وتوأمه ..  كيمياء  وأريج  عطور اللوعة والحنين  والخسارات  وهي الاستثناء  المختلف  - يا رب الأكوان -  في وحدة تلاطم  أمواج الزجل .  كم تلزمه  من قراءة حميمية وعاشقة ، تقي فلذات كبده ، نزعة أهواء الشك في سر يقينية سويتها  ،  فرادتها وعذاباتها المشرعة على التجاوز والمغايرة ؟ كم يلزمه من احتفاء يصل القصيدة بمرجعية علاماتها  ، إشاراتها ، وبالتالي هويتها ؟ وكم تلزم لمسيح  - وهو رجل  أطلق الزجل  من أقفاص عاميته -  من صورة في رحاب الروح  حتى ينثر  القصيدة ورد وعي وإدراك  في طريق  العابرين  برقشة غـبار الحياة  ؟
ولكن قبل هذا وذاك  ن كم تلزمني وشبيهي  من دراجة هوائية ، حتى أقتفي أثر لمسيّح ؟كم تلزمني من سيارة سبر  ، ومن تذكرة سفر ، حتى ألحق به  ؟ فهو يقيم  في منبت  جذور الكلمات التي لابد منها . بعيد – قريب كالحب المرتجى  ، وكالسهل الممتنع  ... كيف ينصب فخاخ مكونات  شروط وجوده  ودلالات كينونته  في الأراضي البكر – وما هي ببكر-  مستدرجا  الكلمات غير المسبوقة  من منبت جذورها  للذاذات طعوم حياته ، لقمره السهران ولدمه ، لحضن حبة قلبه ، لنكران ذاته ،  وتضحيته  ؟ كيف يستدرج الكلمات كرات من لحم مدماة  ؟ كيف يقمطها – وهو العاري إلا من مجده الموارى في البلاد المواراة – كيف ينميها ويرعاها ، كيف يربيها  على تهجي الخطوة  إلى أن تشب عن الطوق ، وتبلغ مبلغ الرشد ، وقد نبتت لها أجنحة خضراء ؟  يا إلاهي ، كيف يطلقها في العالمين  - وفي عينيه الدمعة ؟  وكيف تهل الكلمات – قصيدة  وهي تقرع  أبواب القلوب ؟ وكيف تمشي / طائرة ، وفق هدي / اختيارات مربيها  ، وخالقها ؟ وكيف تقول رسالتها  ؟  ياإلاهي ، كيف نذهب  ، وقد استوعبنا الخطاب ، إلى الجمال ؟  كيف نمشي  إدراكا إلى معنى الوجود ؟ وكيف نفتش في البلاد عن البلاد المواراة –البلاد المرتجاة ؟
كلما أغلقت سفرا  - ديوانا للفقير إلى الله ، أحمد لمسيح ، انفتحت أمامي أبواب عـديدة ، وضربت آفاق  أخرى دمي . هادمي  يتحرر من عقال  نظام شرايينه ، وينحو منحى اختيارات  الممجدين . فكم يلزمنا  من دم  إضافي ، وزجل  يقول مالا ينقال ، ويكتب مالاينكتب ؟
تعبنا من الهباء ولابهاء

المصدر : جريدة الاتحاد الاشتراكي ( عدد : 27 فبراير2001)

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp



عزالدين الماعزي

يكاد يتحدث وهو صامت كصمت زوربا الحكيم

أعتقد أنه يحلو لي أن أتذكر الأصدقاء  بحجم نبضة يدي ، يدي الملتفة دائما في جيبي  خوفا من انفلات  وهروب من ساحة صدري المتسع لهم ولغيرهم  في كبرياء الدهشة ...
كلما حاولت الرجوع مرات إلى الوراء يتراءى  لي  سي أحمد  طودا شامخا ، نبراسا ، قوس قزح تشكلت منه  طفولتي التي حاولت أن أضع لها  قديسا  أحتمي به  من انعراجات الطريق وانشطارها أو قدوة  كما يقول لي أساتذتي ، لكي تحب الحياة أكثر  ضع لك شبيها  في الطريق وسر . كان أحمد  بالنسبة وأنا الصغير ـ دائما ـ وهو يدرس في فاس  يحمل دوائر العالم ، ضجر الفلسفة  وعطر الأرض ، أحوم حواليه مستمتعا  بحلاوة الحديث ، بالعوالم الجديدة التي تشدني منه فيه وهو يحكي عن الكلية وإضرابات الطلبة  والبوليس والشعر والسياسة ... عن عمر  و بنبركة وغيفارا وعبد الناصر وفؤاد نجم و خالد محيي الدين ... صدمت كثيرا  وأنا أرثي وأبكي عمر  بأول نص شعري لي ، كان هو البداية  للهم الشعري الذي مازال يسكنني .
أحمد دائما  يمسرح الحديث الودي ، يشكل من الموقف لحظة النمتة  ، غرائبه يحكيها الأصدقاء  ولم يسلم من سخريته حتى إخوته . يشكل بانسيابه لوحات من الفكاهة ، أذكر حلقات المسرح الفرجوي التي كان يقلد فيها  ولد الجابرية بطوله وعرضه وبوشعيب بجنونه ، ولعباد  بجلسته  وولد باق بحكمته ونزقه .. كنت أضع يدي على قلبي وأنا أتفتت ضحكا ، خفية  وتوجسا من هذا العملاق النحيل  الذي يقف في الحلقة  يزرع الكلام المنثور  في كل ناحية ، شيئ ما يشبه قلق الكائن .. سيسمعون ضحكاتي  ويطردونني من الجلسة وسأخسر مالا أود خسرانه ، ينتفض سي أحمد كعادته طاووسا وهو يضرب اليد باليد مقلدا عباس مرة وحميدة الكايم مرة أخرى  ، وراء بوابة الدكان الخشبي  أمامي كفتا الميزان النحاسي أحاصر ضحكاتي المتعددة المكتومة  بشهيق و ... وهو يضرب  و" يضمس" الكارطا للآخرين  ، يمارس عليهم بهلوانيته التي يتقـنها بمزاج المغازلة حينا وأخرى بفضائح  وطقوس الورطة .
أحمد بالنسبة لي  لغز محير ، وهو يسير عبر ردهات الساقية في الدوار  صباحا رفقة ريم وغسان  ، يصيح بأعلى صوته ،  يخط ببالغ الحساسية لغة هي سرد من العشق والألم والجنون القابع داخله .. قلت لأمينة : لماذا يصرخ أحمد هكذا  طول مسافة الساقية  ؟  ضحكت وقالت لي : اسأله أنت  . قلت .. بخيبتي المعتادة .. ربما هو يجرب الحبال الصوتية  أو يعبئ  كعادة الشعراء جعبته بسلال  الفوضى  بهدوء المترنح ، قريبا من ضجيج التجليات ، هو الذي يختبر هذه الأشياء  ويعرف نزاهة الأمكنة ، هل يمكن أن تسأله  عن الأحداث  والأمكنة في باديته ، عن سر النخلة التي لم تكبر ، والتي كتب عنها الشاعر حسن نجمي ذات مرة ، والمقبرة ، وعن مجموعة من الأشخاص آخرهم  كنت ، وهو الذي بدأ الحديث وأقفله في حوار مع  الشاعر عزيز أزغاي في جريدة النشرة ...
من الممكن أن نظل  نكتشف تعدد الرحلة والاختلاف وسيرورة التحول والانضباط  ، فوضى الحواس ، وسر العزلة ومزاج السكرة ..  كلما حاولنا أن نقتحم جزيرة صندوق المعرفة الذي يمتد  شامخا  عنيفا أنيقا ، يكاد أحمد يتكلم  حتى لايسمعه أقرب الناس إليه ، ويكاد يتحدث  وهو صامت  كصمت زوربا الحكيم .. هو الوحيد الذي لم يكبر  - والذي قال سأكبر حين تظهر الديموقراطية ، وعندما سئل عن الشيب الذي تسلل إلى شعره ، قال هذه بوادر الديمقراطية - ..هو هكذا .. وهكذا هم الأصدقاء الذين عبروا قرب قبر المحبة  وسكنوا كهف الوجد ، تحت القمر الساطع أو تحت حبات المطر ، دالية  تسقي الجميع .. مشهدا للإحالة  ولقشعريرة القلق الممتد  من زمن الإبداع إلى تجاوز الكائن  إلى الفناء والجدية في العمل  ، كثير ، قليل جدا من هؤلاء الذين  يقدمون أنفسهم قرابين  للجهاد  وللجد ، لتطريز  الماء بهذا الشكل ، في أفق ٍ كله أمل والتحام  من أجل تبديد الظلمة ورسم معالم غد جديد ، يملأه أخ عزيز بحجم  أحمد لمسيح  ، هذا الممتد أمامنا  ، يكفي أن تراه ساعة  ليختفي عنك عاما ، أعواما ، وعبقه  يملأ الأمكنة .
يكفي أنه  نبت في دكالة وتقولب عندكم في الرباط

شهادة بمناسبة حفل التكريم الذي نظمته الرابطة المغربية للزجل يوم 19-12-2000
المصدر : جريدة الاتحاد الاشتراكي – عدد : 23 يناير 2001

شارك شارك الصفحة على : Facebook شارك الصفحة على : google شارك الصفحة على : Twitter شارك الصفحة على : Linkedin شارك الصفحة على : Whatsapp